العائلةهل لَعِب الصبية بدُمى البنات أمر طبيعي؟قصتي مع الدُمى

أمضيت أسابيع في البحث عن ألعاب لابني، البالغ من العمر عامان، بمناسبة عيد ميلاده، حتى انتهى عناء البحث بي وبزوجي بشراء لعبة عبارة عن مطبخ ومجموعة تنظيف خشبية، ولقد كنت أعلم أن صغيري سيطير بها فرحًا. أمًا أخته، ذات الست سنوات، أهدته إحدى دمياتها العديدة، وقد غلفتها بنفسها وقدمتها لأخيها الصغير وتقول له ” هذه لك إلى الأبد يا يوسف”. كانت الدمية شبه عارية وكان لديها فم يفتح ويغلق وكأنها تتناول الطعام. غمرت الفرحة صغيري...
Hala Khalaf هالة خلفيونيو 30, 20192 min
View this article in English

أمضيت أسابيع في البحث عن ألعاب لابني، البالغ من العمر عامان، بمناسبة عيد ميلاده، حتى انتهى عناء البحث بي وبزوجي بشراء لعبة عبارة عن مطبخ ومجموعة تنظيف خشبية، ولقد كنت أعلم أن صغيري سيطير بها فرحًا. أمًا أخته، ذات الست سنوات، أهدته إحدى دمياتها العديدة، وقد غلفتها بنفسها وقدمتها لأخيها الصغير وتقول له ” هذه لك إلى الأبد يا يوسف”. كانت الدمية شبه عارية وكان لديها فم يفتح ويغلق وكأنها تتناول الطعام.

غمرت الفرحة صغيري وكأنه يحلق في السماء. ثم اجلس دميته على كرسي لعبة كان خاصًا بأخته فقط، ولكن طفلاي الآن يتقاسمان هذا الكرسي مثل باقي الألعاب. وعلى غرار طريقة الأطفال الآخرين، قام طفلي بإعداد طبق من قطع جزر خشبية وبه مقبض بلاستيكي من الزبدة على طبق، وقدمه إلى دميته الجديدة، ولم ينس السكين والشوكة، كل ذلك قبل أن يبحث عن مريلة للدمية في صندوق ألعاب كان بالقرب منه. ثم عرض عليّ أن يصنع لي فنجانًا من القهوة وقدمه مع مكعبات الثلج. يا لها من براعة! بمجرد انتهائه من المطبخ، أمسك بمكنسته الخشبية الصغيرة وراح ينظف المنطقة المجاورة من أي فتات أو بقايا، حتى لو لم يكد يراها.

كنت قد التقطت عشرات الصور من الألعاب التي يلعب بها طفلي الصغير، وبدأت مشاركتها مع أصدقائي وعائلتي عبر الواتس آب، كنت أقصد من ذلك مشاركتهم شعوري بأن طفلي بلغ من العمر عامين. عندما كنت أتلقى التهاني بعيد ميلاده والأمنيات، كانت معظم الرسائل غير متوقعه. حيث قال أحدهم “ماذا تقولين! هل جلبت له دمية في عيد ميلاده!”. وسأل آخر “هل هدايا عيد ميلاد يوسف عبارة عن مطبخ ومجموعة تنظيف ودمية؟!” “هل هذه أغراض آلانا وألعابها، أم إنها هدايا يوسف؟” كيف ذلك؟” وجاء آخر كان مستغربًا الأمر “ألم تجلبي له سيارات أو شاحنات أو ديناصورات؟ كنت اعتقد أنه مفتون بالرجل العنكبوت”.

وهكذا مضى الأمر. لقد بدأت اكتشف شيئًا، وبدافع الفضول ولأرى كيف سيبدو الأمر في أعين المحيطين من حولي، نشرت صورة له على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يلعب بهداياه الجديدة، وقلت بوضوح إن هداياه في عيد ميلاده كانت عبارة عن مطبخ لعبة ومجموعة تنظيف ودمية.

بدأت تنهال عليّ التعليقات، حتى أنني لم أستطع عدّ الرسائل التي كانت ترد إليّ عبر الدردشة الخاصة، كان يبدو أن تعليقات الجميع تدور حول شيء واحد، هو أنها هدايا “غير معتادة” وأن اختيارها غير مناسب بالنسبة لولد صغير. أثنى البعض على الهدايا، ولكنً البعض الآخر أعرب عن صدمته وتخوفه. أمّا الأمهات الأخريات اللواتي لديهن ولد وفتاة مثلي، فقد قُلْن إن أولادهن الصبيان غالباً ما يلعبون بدمى أخواتهم، ثم قُلْن وهن يضحكن إن هذا الأمر مستهجن – وربما يثير القلق – من أزواجهن أو أصهارهن أو أباءهن أو من غيرهم.

لم يكن ينبغي عليّ أن أشعر بالدهشة إلى هذ الحد، فبعد كل هذا، وحتى يومنا هذا، إذا ذهبت إلى معظم متاجر الألعاب في الإمارات العربية المتحدة (أو في أي مكان في العالم) ستجد قسمًا معنونًا بوضوح “ألعاب فتيات” باللون الوردي، حيث تجد جميع الدمى والعرائس وعربات البقالة وبيوت الأطفال التي تُخزن فيها لوازم التنظيف. وإذا كنت تبحث عن شاحنات أو ديناصورات أو أسلحة أو شخصيات أفلام الحركة، ما عليك إلا اتباع العلامات الزرقاء التي توجهك إلى “ألعاب الأطفال”. عندما قرر متجر الولايات المتحدة “الهدف” في عام 2015 اتخاذ خطوة جريئة لترسيخ المساوة بين الجنسين وأزال لافتات “خاص بالأولاد” و “خاص بالبنات” من أقسام لعب الأطفال والمفارش، حظى هذا القرار بثناء كبير من الآباء التقدميين، ولكنه لاقى الكثير من السخط البالغ من الآباء الأكثر تحفظًا.

وبالنظر إلى ما نعرفه اليوم عن تربية جيل صالح، وعن دورنا كآباء في محاربة القوالب النمطية الضارة والمترسخة التي أصبحت اليوم بمثابة حوار مفتوح في عصر حركات إدانة واستنكار الاعتداء والتحرش الجنسي، مثل حركة #أنا_أيضاً، فالقلق بشأن الصبية الصغار الذين يلعبون بدمية يمثل إشكالية بالغة التعقيد. فما هي الرسالة التي ننقلها إلى أبنائنا إذا رأونا “نسمح” لهم بامتعاض بأن يلعبوا بألعاب أخواتهم، ولأن وجود هذه الألعاب أمر عادي، كما لو كانت “ألعاب الفتيات” هذه صُنعت لأجل جنس رجعي متخلف؟

إن الأطفال يحاكون تصرفات آباءهم محاكاة كاملة، إنهم يحذون ما نحذوه ويتعلمون من أفعالنا، إلى حد أكبر بكثير مما نخبرهم به وما نقوله لهم. إذن، أليس من المنطقي أن يرغب ابني في صُنع فنجان من القهوة في مطبخه الصغير بنفس الطريقة التي يرى فيها والده يصنع لي فنجان قهوتي في الصباح؟ إنه يرى والده ينظف المنزل دومًا، وهو ببساطة ما يفسر لماذا يستخدم ولدي الصغير المكنسة ببراعة شديدة. إن عالمه الخاص يدور حول فكرة رعايتنا له وهو يرانا نحتضنه ونضعه على كرسيه ونعد له طعامه، فلا عجب أن تراه يحاكي ذلك مع دميته الصغيرة.

إذا نشأ الصبي الصغير دون أخت تكبره أو تصغره سنًا، فلن يرى قط ألعاب الفتيات، لأن بداخلنا شعور راسخ بأن شراء دمية لن يكون له معنى إلا للفتاة، ولكن عندما يكبر هذا الطفل الصغير ليصبح أبًا يدفع طفله في عربة الأطفال، فهو أمر مقبول وطبيعي تمامًا. يحدوني أمل بالغ أن يكبر ليصبح رجلاً بارعاً في تغيير حفاض طفله ورجل يعرف طريقه للمطبخ ويمكنه إعداد وجبة كاملة صحية. من هذا المنطلق، لماذا نسلّم بأنه من غير المناسب أن يشارك صبي في هذا النوع من الألعاب (ألعاب التقمص والتظاهر) إلا كونه مجرد طفل؟

يكمن الغرض الأساسي من لعبة التقمص والتظاهر في محاكاة الأطفال لما يقوم به الكبار من حركات وأفعال، ومساعدة الأطفال على ممارسة سلوكيات يجدونها أكثر إثارة للاهتمام وأهمية في عوالمهم الشاسعة الخاصة بهم. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع ابني، الذي يبلغ من العمر عامان، أن يرتبط بالأبطال الخارقين وشاحنات المتوحشين، وبالتأكيد ليس بالأسلحة، بنفس الطريقة التي يمكن أن يرتبط بها عندما يعتني بالدمية، أو عندما يهدل لها في هدوء، أو عندما يقرأ لها كتابًا، أو عندما يأخذها في نزهة، فهذا ما يعرفه، وهذا ما يعيشه.

إذا أخبرنا الأولاد أننا “سنسمح” لهم باللعب مع الدمى أو أدوات المطبخ انتظارًا منهم بأن يطلبوا تلك الألعاب بدلاً من تعريضهم تلقائياً إلى مجموعة متوازنة من الألعاب، فما هي الرسالة التي نريد أن نوصلّها إليهم؟ ألن ينتهي بنا الأمر إلى تربية شخص لا يدرك مفهوم “المساواة بين الجنسين” ولا حتى يستطيع إدراكه؟ شخص يعتقد غريزيًا أنه أفضل من الإناث؟

ينطبق الشيء نفسه على بناتنا. فإذا كنت أسمح لابنتي فقط برؤية ملابس أميرتها الدمية وأطقم زينتها، وأن تخجل من شراء أطقم التجارب العلمية أو أدوات رجال الإطفاء التي كانت تبتغيها أو مجموعة من ألواح البناء لاستخدامها في بناء مدينة صغيرة، ألست بذلك أخبرها عن غير قصد أن الفتيات لا يمكن أن يصبحن علماء أو عمال إنقاذ أو مهندسين معماريين؟ أنا لا أرغب في أن أغرقها في بحر الضغوط الاجتماعية الذي يجب على الفتيات مواجهته هذه الأيام للتخلص من الصور النمطية الغريزية، فإذا كانت تفضّل دمياتها وأميرتها على ألواح البناء أو قطع الليجو، فلا بأس بذلك. أي أن مهمتي هي إتاحة فرص “التعرض” وفتح الباب أمام جميع الاحتمالات، وأن أخبرها ما هو صواب وما هو بخطأ فحسب.

توصلت إحدى الأبحاث إلى أن تقسيم ألعاب الأطفال على أساس نوع الجنس يمكن أن يكون له آثار تنموية دائمة، كما أثبتت الدراسات أن الألعاب تساعد الأطفال على تعلم مهارات جديدة وعلى تطويرهم فكريًا. لذا، فإن الدمى ومطابخ التقمص والتظاهر مفيدة في تعليم الأطفال التسلسل المعرفي للأحداث ومهارات اللغة في مرحلة مبكرة، ناهيك عن تعليمهم الاحتضان والرعاية والذكاء العاطفي. إن وحدات البناء مثل قطع الليجو والألغاز تسهم في تعليم الأطفال المهارات المكانية، مما يؤسسهم لتعلم مبادئ الرياضيات باستقامة وثبوت. وإذا وضعنا أطفالنا على مسار واحد فقط ولم نسمح لهم باستكشاف إبداعاتهم وتطوير خيالهم، فلن تكون ثمرة ذلك إلا خسارة للجنسين، فلا ينبغي علينا التركيز الكامل على ألعاب الأطفال التي نختار شرائها أطفالنا. فنحن نعيش في عصر المساوة بين الطرفين وإدانة واستنكار الاعتداء والتحرش الجنسي، ونحن ندرك الآن كيف يتعلم الصبيان في سن مبكرة “التصرف مثل الرجل” وما هي الدلالات السلبية المرتبطة بذلك. إن كسر القوالب النمطية والسماح لأولادنا بالاعتناء بمن حولهم هي بعض الحلول.

ينبغي علينا أن نتيح مجموعة متنوعة من الألعاب للأطفال من الجنسين، وأن نتوقف عن تصنيف الألعاب على أساس “الأولاد” أو “البنات”، وأن ندعمهم بالأدوات المادية التي تساعدهم على تنمية الاهتمامات التي قد تحفّز عواطفهم بعد ذلك.

على سبيل المثال: ماذا لو اشترينا ألعابًا لأطفالنا بناءً على ما يحبون اللعب به، وليس ما نعتقد أنه يجب أن يلعبوا به؟ وماذا لو اخترنا ألعابًا تتفق مع اهتماماتهم وليس حسب جنسهم؟ حتى لو كان ذلك مقصودًا، كما فعلت أنا في حالتي، حيث كانت ابنتي تفًضل الأميرات والدمى عن القطارات واطقم الأدوات التي لطالما حاولت أن أقربها إليها عندما كانت أصغر سنًا.

أنا الآن أحيط بهذه الأمور أفضل مما كنت قبل ذلك، فلست مضطرة إلى أن أفرض على صغيري السيارات والديناصورات إلا أن يعبّر بنفسه عن اهتمامه بها بعد أن أعرض عليه ألعابًا وأشياءً أخرى تعرضًا عادلًا. حتى ذلك الحين، يسعدني أن أراه يهتم بمطبخه الصغير، وأن يقضي أفضل أوقاته في تنظيف المنزل بقطعة من القماش وحتى ولو كانت تتسبب في اتساخ المنزل، وأن يحظى بفترات راحة لتغطية دميته الصغيرة ببطانية طفل حتى تأخذ قيلولة اثناء الظهيرة. سأدعه يلعب بالألعاب التي يحبها، والتي تساعده على محاكاة الرعاية والسلوك العاطفي الذي سيصبح حقيقة في حياته في يوم من الأيام، سأدعه يلعب إلى ما يتجاوز القوالب النمطية، وآمل بذلك أن يدرك هو وأخته أن الأنوثة يمكن أن تجسد القوة، وأن الذكورة قد تجسد الضعف – بل يجب أن تجسده حتمًا.

 

صورة خاصة: يوسف يلعب في مطبخه الجديد / هالة خلف

Hala Khalaf

هالة خلف

هلا خلف، صحافية مستقلة وأم لطفلين، وتعيش في دبي، وكانت تركز في كتاباتها على موضوعات الصحة والسكري.

ترك رد

لن يتم نشر البريد الالكتروني الخاص بك. الحقول المحددة ب * الزامية

Related Posts

{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}
{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}
{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}