الصحةاليقظةلمَ لا يذهب الرجال إلى الطبيب.. ولمَ عليهم أن يفعلوا

لديّ نظرية حول سبب عزوف الرجال عن الذهاب إلى الطبيب، حتى حين ترسل إليهم أجسامهم كل إشارة ممكنة تحدثهم راجية بأن اللحظة الحالية، الآن وليس لاحقًا، هي الوقت المناسب بحق لطلب المشورة الطبية. لا يعود هذا في المقام الأول إلى خشية الرجال من مواجهة الحقيقة. إنه يعود إلى أنه بعد آلاف السنين من اتباع ثقافة الجمع والالتقاط، يسري صوت أسلافهم في دمهم بالوراثة ويصرخ فيهم أن اخشوشنوا. ما كان يفعله رجل بدائي يتجاهل جرحًا أحدثته...
Jonathan Gornall جوناثان جورنالنوفمبر 20, 20191 min
View this article in English
why men don't go to the doctorPhoto courtesy Jon Gornall

لديّ نظرية حول سبب عزوف الرجال عن الذهاب إلى الطبيب، حتى حين ترسل إليهم أجسامهم كل إشارة ممكنة تحدثهم راجية بأن اللحظة الحالية، الآن وليس لاحقًا، هي الوقت المناسب بحق لطلب المشورة الطبية.

لا يعود هذا في المقام الأول إلى خشية الرجال من مواجهة الحقيقة. إنه يعود إلى أنه بعد آلاف السنين من اتباع ثقافة الجمع والالتقاط، يسري صوت أسلافهم في دمهم بالوراثة ويصرخ فيهم أن اخشوشنوا. ما كان يفعله رجل بدائي يتجاهل جرحًا أحدثته أسنان النمر الحادة في جسده، ويذهب كي يحضر إلى آل بيته قطعة لحم عملاقة، هو ذاته ما يفعله أبناء سلالته من الرجال من بعده.

تلك كانت ذريعتي على أية حال. وأعني هنا أن أتساءل، إن لم يكن ذلك هو السبب، فأيّ سبب آخر يدفع رجلًا ناضجًا في عنفوان شبابه، تتوفر له رعاية صحية جاهزة، إلى دفن رأسه في الرمال وتجاهل مرضه بدلًا من التوجه إلى أقرب طبيب؟

ولكي أكون أمينًا، يجب عليّ توجيه هذا السؤال لنفسي.

لديّ قدر بسيط مقبول من العلم بالطب وجسم الإنسان؛ فأنا عضو باتحاد الصحفيين الطبيين بالمملكة المتحدة، وأكتب عن المسائل الطبية للعديد من الصحف والدوريات المنشورة، بما فيها صحيفة “الدايلي ميل” والدورية الطبية البريطانية.

وأنا على دراية تامة بأنه، من بين كل الحالات الصحية العديدة التي يمكن أن تدمر حياة الإنسان، أو تقصِّر من أمدها، أو تنهيها قبل الأوان، لا توجد حالة واحدة لم يكن العلاج المبكر لها أفضل من التأخر في العلاج.

والآن…

إنني لأشعر بالخجل، فهناك مناسبتيْن في حياتي أعميتُ فيها بصيرتي، بدلًا من مواجهة الأدلة التي تلوح في الأفق لتشير إلى أن جسدي يعاني أمرًا خطيرًا.

بالعودة إلى العام 2001، وبعد فشل محاولة للتجديف من الشرق إلى الغرب عبر المحيط الأطلسي، والتي انتهت بعملية إنقاذ معينة باستخدام يخت، وطئت قدماي شاطئ “باربادوس”، بينما أعاني شعورًا سيئًا بالاشمئزاز من نفسي، وألمًا غريبًا بدأ ينتشر في كلتا ساقيّ. انتهت بي الحال مرغمًا على الجلوس طوال أربعين يومًا قضيتُها هناك. وفقًا لتشخيصي لنفسي، كان ما أحتاجه هو أن أركض فتتحرك ساقاي من جديد.

وسرعان ما اكتشفتُ، حين وقعتُ أرضًا بعد خطوتين أو ثلاث لا أكثر، أن الركض بات مستحيلًا. وبعد وقت قصير جدًا، انضم المشي كذلك إلى قائمة المستحيلات.

عُدتُ إلى موطني، إنجلترا، بعد رحلة طيران مررتُ خلالها بآلام قاسية في ظهري، وبعدها بفترة قصيرة أصبحتُ أكافح كي أغادر الفراش، أو أن أدخل سيارتي، وبعد فترة قصيرة للغاية لم أعُد قادرًا على مجرد الوقوف بشكل سليم.

ظللتُ أردد لنفسي إنه لا بأس بذلك، على مدار عدة أسابيع تدرَّج فيها شعوري بالألم في ظهري وساقيّ من مجرد الشعور بالألم إلى عذاب يدفعني إلى البكاء. كل تلك الممانعة في العلاج عادت على ظهري بسوء حالته. لكني ظللتُ أكرر “ستهدأ الأحوال قريبًا. اخشوشن”.

لكن الأمور لم تهدأ. وأخيرًا، بعد أسابيع عدة من توسلات صديقتي بأن أذهب فأستشير طبيب، أصرَّت أن أستفيد من ميزة التأمين الصحي الخاص المرتبط بوظيفتي كصحفي بصحيفة “التايمز”.

فعلتُها على مضض، ولما حانت اللحظة التي ذهبتُ فيها إلى الطبيب بعد يومين من اقتراح صديقتي، نشأت لديّ مشكلة طبية ما تُسمى “تدلّي القديم”؛ فما أن أحاول تحريك إحدى ساقيّ كي أتحرك خطوةً، حتى أجدها عاجزةً عن الحركة وتفشل المحاولة.

تساءل الطبيب الجراح، الذي أحيلت إليه حالتي على وجه السرعة، “إلى أين تذهب يوم الاثنين؟”. كان سؤاله ذا مغزى، وأضاف: “سوف تخضع لعمية جراحية، وإن لم تفعل فهناك احتمال شبه أكيد ألا تستطيع المشي مجددًا”.

ولكي تزيد الأمور سوءًا، كانت فقرتان تالفتان في عمودي الفقري تضغطان على الأعصاب المسؤولة عن نقل الإشارات والإحساس، من وإلى الجزء السفلي من الجسم بالإضافة إلى المخ. لم تعُد تلك الأعصاب تتعرض سوى للكثير جدًا من الضغط، قد تضعف بعده بصورة نهائية. ببساطة صار استمرار هذه الحالة لمدة كافية لإحداث شلل دائم احتمالًا واردًا.

بطريقةٍ ما – يمكنك ترجمتها إلى “مهارة الجراح الفائقة” – نجوتُ من تلك الأزمة. حققت العملية نجاحًا تامًا. لم يتوقف أثرها عند استطاعتي المشي والجري مجددًا، بل إنني عدتُ بعدها بثلاث سنوات إلى التجديف عبر الأطلسي، وهذه المرة كنتُ ضمن فريق من أربعة أشخاص، حيث اتجهنا من الغرب إلى الشرق؛ من جزيرة “نيوفندلاند” إلى المملكة المتحدة.

لم تكتمل رحلتنا، حيث تعرضنا لرياح عاتية شطرت المركب إلى نصفين قبل أيام من بلوغ الهدف. لكننا نجونا، وصمد ظهري بصورة رائعة.

انتهى الدرس، وعليك أن تفكر به الآن.

نقفز سريعًا إلى شتاء العام 2011.

بحلول هذا الوقت، كنت مقيمًا بالإمارات العربية المتحدة منذ ثلاث سنوات، أعمل صحفيًا، وأحب نمط الحياة ها هنا كما أحب شقتي المطلة على البحر في منطقة دبي مارينا. دائمًا كانت اللياقة البدنية محط اهتمامي، وفي دبي احتلت صدارة الاهتمام أكثر مما كانت في أي مكان آخر.

اعتدتُ حرارة الطقس، وأن أجد بهجةً في اكتشاف طريق جديد بالمدينة وفي الجري في معظم أوقات السنة. ولأنني كنت أعيش على مسافة مئتي متر من ممشى مارينا، فقد اعتدتُ الركض بانتظام حتى البحر كي أسبح بطول الشاطئ قبل الذهاب إلى العمل، وخلال عطلات نهاية الأسبوع كنت أمارس التجديف عادةً، فأصطحب بضع زجاجات من الماء المثلج في القارب وأستكشف أشجار المانغروف في أبو ظبي، أو أحاول كسر الرقم القياسي الذي حققته، بالدوران بحرًا حول إحدى جزر النخيل في دبي.

بعد ذلك، وقبل فترة قصيرة من موعد رحلتي الجوية العائدة إلى المملكة المتحدة لقضاء عطلة الكريسماس لمدة أسبوعين، بدأتُ أشعر بألم في صدري حين أقوم بالركض.

نعم، أنا أعلم.

كان التبرير الذي يسوقه عقلي الباطن، أنني لا أشعر بالألم سوى عندما أتنفس بعمق، لذا لم يكن من الصعب إقناع نفسي بأن الأمر لا يتعدى كونه عدوى صدرية بسيطة. دبي تعاني أحيانًا انتشار الأتربة في الجو، ومن ثمّ استنتجتُ أنه ربما قد أصابني شيء بسبب الرياح التي تعرضتُ لها أثناء الركض، في وقتٍ لم يكن مناسبًا كي تصيبني فيه عدوى.

علاوةً على ذلك، لم يوجد أيٌ من الأعراض الأخرى التي قد ترتبط في ذهن المرء بالأزمة القلبية؛ فلا غثيان، ولا شعور بضيق الصدر أو بألم في أحد ذراعيّ.

وفضلًا عما سبق أيضًا، فقد كنتُ رجلًا رياضيًا في السادسة والخمسين من العمر، لا شك في كونه سيعيش للأبد؛ أليس كذلك؟!

إذن واصلتُ ممارسة الركض. كنتُ أجري حين عدتُ إلى المملكة المتحدة، مستمتعًا بالصباحات الشتوية الغضّة التي أحبها، رغم اضطراري إلى التوقف عن الركض بعد اللحظة والأخرى بسبب ذلك الألم السخيف.

واصلتُ الركض حين عدتُ إلى دبي، وإن صرتُ أجري بسرعة أقل بقليل، متوخيًا الحذر لأن العدوى الصدرية قد تسبب كثيرًا من الإجهاد لقلبك ورئتيك.

ثم بدأ الألم يظهر حتى عند سباحتي بضعة لفّات بهدوء في حمام السباحة الموجود على سطح فندق “العنوان مارينا دبي”.

استمر الحال على ذلك طوال أسابيع. من جديد توجد صديقة تصرّ أن أستشير طبيبًا؛ وهي غير صديقتي الأولي لكنها – كبقية النساء – أكثر حساسية من الرجال فيما يخص الإنصات إلى إشارات أجسامهن.

ثم تطورت الأمور سريعًا.

خلال أيام، كنت أخضع لكشف بالأشعة على الأوعية الدموية، في معمل للقسطرة بالمركز الألماني للقلب الكائن بمدينة دبي للرعاية الصحية. سرعان ما أظهرت الأشعة لطبيب القلب الألماني الذي أجراها أنني أعاني عددًا من الانسدادات شبه الكاملة في شراييني التاجية، وقد ساهم قرُب أحد هذه الانسدادات على الأقل من الشريان الأورطي – وهو الشريان الرئيسي الذي يحمل الدم من القلب لباقي أجزاء الجسم – في جَعل الدعامة غير ذات جدوى.

كان الفزع يصيبني بالفعل من فكرة تركيب دعامة؛ وهي عبارة عن أنبوب معدني أو بلاستيكي يتم زرعه داخل الشريان لإبقائه مفتوحًا. لكني عدتُ إلى غرفتي الخاصة بالمستشفى، حيث انضم طبيب القلب إلى جرّاح للقلب والصدر، وأخبراني سويًا بحاجتي إلى إجراء جراحة التفافية عاجلة؛ فصعقتني الصدمة.

جراحة التفافية؟ لي أنا؟ لا بد أن هناك خطأ ما.

لكن لم يكن هناك أي خطأ. لم يكن الألم الذي أشعر به ناتجًا عن عدوى، بل كان ذبحةً صدرية؛ وهي الإشارة التقليدية للتحذير المبكر من احتمال الإصابة بنوبة قلبية، ولو أن الشخص عثر الحظ بحق، فسيكون احتمالًا للإصابة بسكتة قلبية تخلع منه الحياة مثل جذع شجرة انقطع.

أصبحتُ أعيش في حالة ترقُب للأسوأ. رغم محافظتي طوال حياتي على لياقتي البدنية، وعدم التدخين أبدًا، واتباع نظام غذائي جيد، وما إلى ذلك؛ فقد أصابني فرط كوليستيرول الدم العائلي، وهو ميل متوارث جينيًا يجعل جسدي يسدّ شرايينه بنفسه، بمساعدة الأطعمة الدسمة أو دون تدخلها.

خضعتُ للعملية في مستشفى المدينة، وكان ذلك في الرابعة عصرًا من يوم الإثنين، الموافق 27 فبراير من العام 2012. تم استئصال أجزاء طويلة من الأوردة الموجودة بكلتا ساقيّ، كي يتم ترقيع صدري بها، بغرض الالتفاف حول الانسدادات الموجودة بثلاثة شرايين؛ ولم يكن ذلك بالأمر الهين. كنتُ في وحدة العناية المركزة، أتقلب يمنةً ويسرةً بينما يعاني رأسي التأثير الضبابي الذي يحفزه ما تعاطيتُه من مواد أفيونية على مدار ستة أيام، وطالت المدة الإجمالية لإقامتي في المستشفى تسعة أيام. وبعد مدة لاحقة زادت عن أسبوع، سافرتُ عائدًا إلى المملكة المتحدة.

كان التعافي سريعًا إلى حدٍ مدهش. شعرتُ بكثيرٍ من الألم على مدار شهور؛ كان شعورًا كما لو أن صدرك ينشقّ، وساقيك تتمزقان من الكاحل وحتى الفخذ. لكني استطعتُ أن أمشي فورًا، وبدأتُ الركض في غضون شهر أو أقل من عودتي إلى بلادي.

واليوم، لا أستطيع القول بأنني أتمتع بذات لياقتي البدنية التي كنتُ عليها، لكني بلغتُ الرابعة والستين من العمر، واعتدتُ مسألة أن تقل سرعتك وقوتك بعض الشيء عمّا كانت عليه في الأيام الخوالي.

أدين بحياتي إلى شركة التأمين الصحي “ضمان”، وإلى الطبيب العام بالمركز الطبي في مول دبي، باعتباره الشخص الذي دقّ جرس الإنذار، إلى جانب أطباء القلب والجرّاحين والممرضين بمستشفى المدينة، الذين أنقذوني من السقوط بينما أنا على حافة الانهيار؛ وبالطبع أشكر صديقتي التي دفعتني إلى الكشف الطبي لمعرفة طبيعة الألم في صدري.

صديقتي باتت الآن زوجتي، وأنا مدين لها ولطفلتنا ذات السنوات الخمس بالفضل في ابتعادي عن ذلك التصرف الأرعن، وفي قضائي على ذريعتي الواهية، بحيث صرتُ أزعج طبيبي العام بشكوايَ بمجرد شعوري بالتعب بدلًا من استشارته في وقت لاحق؛ لأن التأخير أحيانًا قد ينتهي بنا إلى فوات الأوان.

 

 

 

 

Jonathan Gornall

جوناثان جورنال

جوناثان جورنال، صحافي بريطاني مستقل، عاش وعمل في الشرق الأوسط، ويقيم الآن في المملكة المتحدة.

ترك رد

لن يتم نشر البريد الالكتروني الخاص بك. الحقول المحددة ب * الزامية

Related Posts

{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}
{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}
{{ image }}

{{ title }}

{{ date }} {{ comments }}
{{ readingtime }} {{ viewcount }}
{{ author }}